أحمد بن محمد المقري التلمساني
107
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
الجزيرة الخضراء ، مكرا منكم ، فلمّا بلغتم أرض الجبل انحرفتم عن الجادة ، وهربتم بأثقالكم الهروب الذي أنكره عليكم من « 1 » بلغه حديثكم أو يبلغه إلى آخر الدهر في العدوتين من مؤمن وكافر وبرّ وفاجر ، فكيف يستقيم لكم بعد المعرفة بتصرّفاتكم حازم ، أو يثق بكم في قول أو فعل صالح أو طالح ؟ ولو كان قد بقي لكم من العقل ما تتفكّرون به في الكيفية التي ختمتم بها عملكم بالأندلس من الزيادة في المغرم وغير ذلك مما لكم وزره ووزر من عمل به بعدكم إلى يوم القيامة حسبما ثبت في الصحيح « 2 » لحملكم على مواصلة الحزن ، وملازمة الأسف والندم على ما أوقعتم فيه نفسكم الأمّارة من التورّط والتنشّب في أشطان الآمال ودسائس الشيطان ، ونعوذ بالله من شرور الأنفس وسيئات الأعمال . وأمّا قولكم عن فلان « إنه كان حشرة في قلوب اللوز » و « إنّ فلانا كان برغوثا في تراب الخمول » فكلام سفساف ، يقال لكم من الجواب عليه : وأنتم يا هذا ، أين كنتم منذ خمسين سنة مثلا ؟ خلق اللّه الخلق لا استظهارا بهم ولا استكثارا ، وأنشأهم كما قدّر أحوالا وأطوارا ، واستخلفهم في الأرض بعد أمّة أمما وبعد عصر أعصارا ، وكلفهم شرائعه وأحكامه ولم يتركهم هملا ، وأمرهم ونهاهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [ الحجرات : 13 ] وبكل اعتبار فلا نعلم في نمط الطلبة تدريجا كان أسمج من تدريجكم ، ونبدأ من كذا فإنه كان كذا وأكثر أهل زمانه تحمّلا وتقلّلا في نفسه بالنسبة إلى منصبه كان الشيخ أبو الحسن بن الجياب ، ولكنه حين علم رحمه اللّه تعالى من نشأتكم وحالتكم ما علم نبذ مصاهرتكم وصرف عليكم صداقكم ، وكذلك فعلت بنت جزيّ زوج الرهيصي معكم ، حسبما هو مشهور في بلدكم ، وذكرتم أنكم ما زلتم من أهل الغني حيث نقرتم بذكر العرض - وهو بفتح العين والراء ، حطام الدنيا على ما حكى أبو عبيد ، وقال أبو زيد : هو بسكون الراء ، المال الذي لا ذهب فيه ولا فضّة - وأيّ مال خالص يعلم لكم أو لأبيكم بعد الخروج من الثقاف على ما كان قد تبقّى عنده من مجبى قرية مترايل ؟ ثم من العدد الذي برز قبلكم أيام كانت أشغال الطعام بيدكم على ما شهد به الجمهور من أصحابكم . وأمّا الفلاحة التي أشرتم إليها فلا حقّ لكم فيها إذ هي في الحقيقة لبيت مال المسلمين ، مع ما بيدكم على ما تقرّر في الفقهيات ، والمعدوم شرعا كالمعدوم حسّا ، ولو قبل من أهل المعرفة بكم بعض ما لديهم من سقطاتكم في القال والقيل ، ولم يصرف إلى دفع معرّتها « 3 » عنكم وجه التأويل ، لكانت مسألتكم ثانية لمسألة أبي
--> ( 1 ) في ب « أنكره عليكم كل من بلغه » . ( 2 ) إشارة إلى الحديث « من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » . ( 3 ) المعرّة : الإثم .